جلال الدين السيوطي
380
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وتصبي القلوب إلى التزيّن بسموط درّه . وأما ما طلب عندي وخطب إليّ من العلوم والدرايات والسماعات فثياب خلقت عليّ من بينهنّ الثياب ، ثم دفنتهنّ ، وصيّرت عليهنّ التراب ، وذلك حين آثرت الطريقة الأويسيّة على سائر الطرائق ، وأخذت نفسي برفض الحجب والعوائق ، ونقلت كتبي كلّها إلى مشهد أبي حنيفة رضي الله عنه ، فوقفتها عليه ، وأصفرت منها يدي إلا دفترا ، قد تركته تميمة في عضدي ، وهو كتاب الله الحبل المتين والصراط المستبين ؛ لأهب لما قصدت كلّي ، وألقي عليه وحده ظلّي ، لا يشغلني عنه بعض ما يجعل الرأي مشتركا ، ويردّ القلب مقتسما ، ولذت بحرم الله المعظّم ، وبيته المحرّم ، وطلّقت ما ورائي بتّا ، وكفتّ ذيلي عنه كفتا ، ما لي همّ إلا خويصتي ، ولا يلهيني إلا النظر في قصتي ، أنتظر داعي الله صباح مساء ، وكأنّي بي وقد امتطيت الآلة الحدباء ، وقد وهنت العظام ، ووهنت القوى ، وقلّت الصحة ، وكثر الجوى ، وما أنا إلا دماء تنوء في جسد هو هامة اليوم أو غد ، فما لمثلي ولما ليس من الآخرة في شيء ، ولقد أجزت له أن يروي عني تصنيفاتي كلّها ، وأثبتّ أساميها في وريقة لبعض الإسكندريين . وأنا محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزميّ ثم الزمخشريّ منسوب إلى قرية منها هي مسقط رأسي ، ولبعض أفاضل الشرق : فلو وازن الدنيا تراب زمخشر * لأنّك منها زاده الله رجحانا وللشريف الأجلّ علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس الحسنيّ : جميع قرى الدنيا سوى القرية التي * تبوأها دارا فداء زمخشرا وأحرى بأن تزهي زمخشر بامرئ * إذا عدّ في أسد الشرى زمخ الشرى فلولاه ما طنّ البلاد بذكرها * ولا سار فيها منجدا ومغوّرا فليس ثناها في العراق وأهلها * بأعرق منه في الحجاز وأشهرا ومن مقطوعاتي التي اقترحتها من قبلي :